الشيخ محمد رشيد رضا

8

الوحي المحمدي

كالنساء والأطفال والشيوخ ، وبصرفها معظم ثروات شعوبها في هذه السبل ، وفي سبيل ظلمهم للشعوب الضعيفة التي ابتليت بسلطانها ، وسلبها لثروتهم وحريتهم في دينهم ودنياهم . فالعالم البشرىّ كلّه في شقاء من سياسة هذه الدول الباغية الخبيثة الطويّة . وكل ما عقد من المؤتمرات لدرء أخطارها لم يزد نارها إلا استعارا ، ولو حسنت نياتها وأنفقت هذه الملايين التي تسلبها من مكاسب شعوبها وغيرهم في سبيل الإصلاح الإنسانى العام لبلغ البشر بها أعلى درجات الثراء والرخاء . كل ما ذكر معلوم باليقين ، فهو حق واقع ما له من دافع . وإن من المعلوم من استقراء تاريخ هذه الحضارة المادية أن هذه الشرور كانت لازمة لها ، ونمت بنمائها ، فكان هذا برهانا على أنّ الفنون والعلوم البشرية المحضة غير كافية لجعل البشر سعداء في حياتهم الدنيا ، فضلا عن سعادتهم في الحياة الآخرة ، وإنما تتم السعادة لهم بهداية الدين ، فالإنسان مدنّى الطبع ، ومتديّن بالطبع ، أو بالفطرة كما يقول الإسلام . من أجل ذلك فكّر بعض عقلاء أوروبا وغيرهم في اللجوء إلى هداية الدين وأنه هو العلاج لأدواء هذه الحضارة المادية والترياق لسمومها ، وتمنوا لو يبعث في الغرب أو في الشرق نبىّ جديد بدين جديد يصلح اللّه بهدايته فسادها ، لأنّ الأديان المعروفة لهم لا تصلح لهذا العصر وقد فسر حال جميع أهلها « 1 » ، وكان من يسمون دينهم دين المحبة ، مصداقا لقول اللّه تعالى : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ المائدة : 14 ] . بيد أنّ هؤلاء المفكرين لا يعرفون حقيقة دين القرآن ، وهو الدين الإلهى العام ، والمانع لهم من معرفته ثلاثة حجب تحول دون النظر الصحيح فيه ، وعدم فهمهم للقرآن كما يجب أن يفهم ، فأما الحجب دونه فهذا بيانها بالإيجاز . الحجب الثلاثة بين حقيقة الإسلام وشعوب الإفرنج : ( الحجاب الأول ) : الكنيسة ؛ أو الكنائس التي عادته منذ بلغتها دعوته ، وطفقت تصوره بصور مشوهة باطلة ، بدعاية عامة فيها من افتراء الكذب وأقوال الزور والبهتان ما لم يعهد مثله في أهل ملة من البشر في زمن من الأزمان ، وألفت في ذلك من الكتب والرسائل ، والأغانى والأناشيد والقصائد ، ما يعرف بطلانه كل مؤرخ مطلع على الحقائق ، ثم إنها جعلت تشويهه ووجوب معاداته ركنا من أركان التربية والتعليم في جميع مدارسها والمدارس

--> ( 1 ) أول من نقل لنا هذا الرأي جريدة السياسة منذ سنين ثم تكرر نقله .